بلاغ تحليل اقتصادي
✍️ بقلم: د. محمد عبد القادر سبيل خبير إداري ومحلل اقتصادي
د. محمد عبد القادر سبيل - موقع مورال نيوز
د. محمد عبد القادر سبيل | موقع مورال نيوز

يستغرب الناس كيف يصدر السودان كل هذه المنتجات من ذهب ومواشٍ ولحوم وسمسم وفول وصمغ عربي وقطن وغيرها، ورغم ذلك لا تملك الحكومة في خزينتها ما يكفي لسداد فاتورة وقود أو قيمة التزاماتها ومرتبات موظفيها، حتى أنها تضطر لشراء الدولار أحياناً من السوق الأسود لتستر حالها؟. والأدهى والأمر أن يخرج عليك وزير المعادن مثلاً أو وزير الثروة الحيوانية أو الزراعة ليعلن بفخر ويبشر الشعب بأن السودان قد أنتج وصدر كذا طن من الذهب أو من اللحوم أو الصمغ.

حينما تسمع ذلك أرجوك لا تصدق على الفور، لأن السيد الوزير يضللك والصحافيون يروجون تضليله للشعب. إن مقولة (السودان قام بتصدير كذا) مخاتلة توحي بأن إيرادات هذا التصدير الضخم الذي يتم الاحتفاء به تذهب إلى الحكومة فتنعكس على الخدمات والتنمية وقوة الجنيه، ولكن حقيقة الأمر ليست كذلك.

هذه الصادرات يا سادة تذهب إلى جيوب التجار، لأن الذي تصدّر هم التجار وأما الدولة فلم تصدر شيئاً؛ الدولة والحمد لله خالية الوفاض وفية لسياسة التحرير الاقتصادي، تشرف فقط وتنظم وتحتفل مع الرضا التام ببعض الرسوم. صحيح أن هؤلاء الوزراء يفترض أنهم وكلاء الشعب وقيادات الدولة وطاقم الحكومة، ولكنهم عملياً يخدمون مصالح التجار ولا ينال منهم الشعب إلا المبررات والتسويف. وزراء تشريفيون يلبسون البدل والكرافتات ويذهبون إلى مكاتب الدولة باسم الشعب تزفهم أبواق التشريفة ليشرفوا ويشرعنوا ويسهلوا إجراءات نهب ثروات البلد التي قيمتها مليارات الدولارات لصالح الرأسمالية الطفيلية.

هذه ليست تهمة اعتباطية، بل واقع نعيشه وتراه العين في واقعنا المزري ولا ينكره أحد ونحن نصدر مئات الأطنان من الذهب والثروة الحيوانية والحبوب الزيتية. ولمزيد من التوضيح خذ مثلاً آخر: إذا قال لك وزير الثروة الحيوانية سوف ننشئ مدناً حديثة للإنتاج الحيواني، فلا تفكر في أن الدولة سوف تقوم بهذا الاستثمار لنفسها من أجل زيادة إيرادات الخزينة العامة. أبعد مثل هذه الأحلام عن قلبك واسأل من جديد فستكتشف أنه يريد فقط أن يهيئ البنيات الأساسية والخدمات ويمنح الامتيازات من مال الدولة والشعب لصالح المستثمرين الذين سوف ينتجون ويصدرون لأنفسهم، ثم يذهبون بالدولارات تصحبهم السلامة بعيداً عن يد حكومتنا الحارسة، وللأمانة فقد يدفعون للحكومة عطية مزين وكفى. هذا كل ما هنالك، ومع ذلك تجد هنالك من يكتب ويروج أنه قد حدثت طفرة تنموية واختراق نوعي.

“حينما يقول الإعلام إن السودان صَدَّر هذا العام كذا وكذا فهذا محض كذب؛ لأن الذي صَدَّر في الحقيقة هم التجار ولأنفسهم فقط، وأما الحكومة فلا نصيب لها من قومة النفس هذه كلها إلا الرسوم والضرائب.”

وإذا سألتهم: كيف ذلك وأنتم مؤتمنون على حقوق الشعب والدولة؟ أو سألتهم كم نصيب حكومة السودان من هذه الصادرات؟ فسيحدثونك عن الرسوم والضرائب وقد يتبرع بعضهم بالحديث عن فرص العمل التي تتيحها استثمارات التجار لتشغيل العطالى أو عن زيادة الإنتاج وهكذا مما لا يغني من جوع. تقول له: يعني نصيبنا نحن الشعب السوداني وحكومتنا من هذه الأطنان الجسام والتي تبلغ قيمتها عشرات المليارات من الدولارات سنوياً فقط هذا الفتات؟ سيقول لك أنت حاقد وحاسد هل منعتك أن تعمل مثلي.

ولكن قد يجادل متواطئ فيقول هذا ما يحدث في كل العالم. قل له: هل في كل العالم يصدر التجار منتجات بلادهم وثروات شعبهم ثم لا يعودون بقيمة الصادر إلى البنك المركزي؟ وحينما يحتج آخر فيقول لا تعمم ليس الجميع يهربون بعوائد الصادر؛ فاسأله كم بالمائة يهربون؟ هنا سيتهرب هو الآخر. حسناً، والذين يعودون بقيمة الصادر مشكورين، هل يوردون المبلغ كاملاً في بنك السودان بالسعر الرسمي أم يحتفظون بتلك العوائد في حسابات خاصة بحجة أنها حقهم ولا يوجهونها إلا إلى تمويل واردات لصالحهم أو يضاربون بها في السوق ليرتفع سعر الدولار وترتفع الأسعار بالتالي؟ فنشاطهم برمته طفيلي ليس سوى تخريب في تخريب، وفي هذه الحالة أليس الأجدى أن يتم إغلاق باب التصدير لبعض السلع كالثروة الحيوانية ما دام التصدير مجرد استنزاف وإهدار لموارد البلاد؟

السودان لا يستفيد شيئاً ولا يصدر شيئاً لشعبه المغلوب على أمره، وإنما هنالك من ينهبون ثروات البلد باستمرار ويقومون بتصديرها لأنفسهم، ثم يخرج وزير فيمنحهم المشروعية ووسام الوطنية حين يعلن أن وطننا ما شاء الله هذا العام قام بتصدير كذا مليون طن من اللحوم والأغنام أو مائة طن من الذهب أو الصمغ العربي. يا أخي السودان وشعبه بريئون من هذه الفرية التي يعلنها الوزراء وكبار مسؤولي الوزارات ويدافع عنها بعض الصحفيين. قولوا الحق: فتجار السودان اختطفوا مائة طن من الذهب سنوياً وكذا ألف طن من اللحوم والمواشي ولا تقولوا السودان قام بالتصدير. كفى كذباً وتضليلاً.

هؤلاء الوزراء إنما هم وكلاء للرأسماليين يعملون لصالحهم لأنهم في غالب الظن هم الذين رشحوهم لهذه المناصب ومارسوا الضغوط والوساطات ليأتوا بهم حتى يقوموا بهذا الدور التمثيلي (facilitator). للأسف الشديد، حكوماتنا من وقت طويل إنما هي حكومات رأسمالية طفيلية تعرف كيف تضغط لتجيء بمحافظ بنك السودان الذي يخدمهم ووزير التجارة الذي يطاوعهم ويمنحهم التراخيص ووزير الثروة الحيوانية الذي يحقق مصالحهم، ثم يخرج بجرأة وقوة عين ليقول: السودان صدر هذا العام كميات أكبر من الحيوانات والسودان سينشئ مدناً للإنتاج الحيواني، ثم تنتشر المانشيتات والمقالات الصحفية المدفوعة الأجر لتروج الضلال والتآمر ضد الشعب ومصالحه.

أظن أن الرأسمالية الطفيلية هي أعدى على الشعب من الجنجويد. فهم الذين صنعوا واقعنا هذا وهم الذين يمنعون مجيء واستمرار الحكومات الوطنية والمسؤولين الجديرين بتمثيل الشعب وتحقيق مصالحه، رجال دولة يقولون لا للغلط ويمنعون نهب ثروات الشعب. والله ولي الصالحين.

🔑 مفتاح:

خذوا عني هذه: إذا سمعتم وزيراً يتباهى أو كاتباً يطبل بأن السودان أنتج كذا وكذا وصدر كذا مبشراً بالإنجاز، فلا تصدق قبل أن تسأل: من الذي أنتج وصدر، هل الحكومة لصالح الشعب أم المستثمرون والتجار؟ فإذا قالوا المستثمرون والتجار فقل: وما أفرحك بطهور أولاد الناس؟ وكم نصيب الحكومة والشعب من إيرادات هذه الصادرات الضخمة؟ فإذا قالوا لك: نصيبها الضرائب والرسوم فقط بما يقل عن 10%، فاعلم أن الوزير يمثل ويخدم مصالح الذين جاؤوا به للمنصب، فهم منه وهو منهم. وأما الشعب والحق والدولة فلا بواكي لهم.

موقع مورال نيوز ©

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *