أعمدة ورأي
✍️ بقلم: د. محمد عبد القادر سبيل خبير إداري ومحلل اقتصادي
د. محمد عبد القادر سبيل - موقع مورال نيوز
د. محمد عبد القادر سبيل | خبير إداري ومحلل اقتصادي

تجربة دول الخليج التنموية الباهرة، هذا النماء الكبير، والرعاية الفائقة التي يحظى بها الشعب هنالك، لم تُبنَ على نظام سياسي ديمقراطي ليبرالي، ولا على حريات عامة وقوى سياسية مدنية مناضلة تستقوي بالأجانب والميليشيات وتؤلب المنظمات الدولية ومصائب الدنيا على شعبها وجيشها فقط لأنه لم يمنحها زمام الحكم، بل بُنيت على إرادة تغيير صادقة، واعتناء حقيقي بالإنسان وبأسباب عزته وكرامته والحفاظ على هويته. فالمواطن أولاً قبل كل شيء[cite: 17].

ونحن في الحقيقة مثلهم نحتاج إلى القائد الموحد، القوي الأمين، الذي يخرج من كيمياء المجتمع وخصائصه لا المستلب ثقافياً، ليخرجنا من ظلمات الفرقة والتخلف إلى نور الاستقرار والوحدة والأمن والتنمية، تماماً كما خرجوا، وبالطريقة ذاتها، مادمنا مجتمعاً عشائرياً أيضاً وما يزال نفوذ الناظر ترك والناظر مادبو والشيخ هلال حاضراً في حياتنا وموجهاً لإراداتنا، فدرجة نضجنا المدني ليست أفضل منهم وتصوراتنا وتقاليدنا ما برحت مثلهم، وها هم الآن باتوا منارة حضارة وقبلة وأسوة حسنة لكثير من نخبنا المستنيرة تتكففهم[cite: 17].

يبدو أن سردية (دولة 56) تستحق التأمل فعلاً والمراجعة[cite: 17]. فلو في دولة 56 خطأ حقيقي فلن يكون سوى النظام السياسي الليبرالي الذي فرضته علينا نخبة كلية غردون خلفاء الإنجليز[cite: 17]. نحن لم يكن يناسبنا سوى ما يناسب الأردن والمغرب والسعودية وعمان[cite: 17]. انظر إليها الآن، ثم انظر إلى الدول التي سارت مسارنا مثل العراق ولبنان، أيّهما أنجع وأنجح وأنسب لطبيعة تلك الشعوب؟[cite: 17]. إن أحزابنا ليست سوى بديل مشوه لمؤسسة القبيلة؛ هي عشائر متنازعة على نهب الدولة أو ساخطة إلى الأبد[cite: 17]. والديمقراطية فينا كالعريان الذي يلبس صديرياً أنيقاً، كلها هجاء ودسائس ونزاعات، هذا كل شيء[cite: 17].

“فعلاً، دولة 56 يجب أن تتغير. ويتعين أن نبحث عن أنموذج حكم يشبهنا مثلما فعلت دول الخليج بواقعية لا نحيد عنها. نحن لسنا خيراً منهم في شيء ولا تجربتنا في الحكم المدني أثبتت أننا أنضج منهم مدنياً.”[cite: 17]

الآن دول الخليج تطورت بدون وصاية نخب فاشلة، بل باتت قبلتنا وغاية منى نخبنا وخبرائنا[cite: 17]. فلماذا نستعين بهم لنفعل عكس ما يفعلون في بلدانهم؟[cite: 17] لماذا نطلب مساندتهم لكي نزيد الشقاق القبلي والجهوي الذي بيننا، بدل أن نتأسى بهم لنفعل ما فعلوه؟[cite: 17] هل لأننا أوعى وأفضل منهم؟ أم لأن الديمقراطية من شيمنا الأصيلة؟[cite: 17].

دولة 56 تنكرت للنظارات والمشيخات التي تشبه دول الخليج، ولذلك ضللنا الطريق ويجب أن نعود فوراً إلى النظام الذي يليق بمستوى نضجنا المدني الحقيقي[cite: 17]. نخبنا تعيش وهماً حداثياً لا طاقة لها ولا لشعبها به، وتصر عليه.. قلنا لهم ماكينة الرولزرويس لا تجدي مع التكتك، قالوا وما أدراك[cite: 17]. ولذلك هاهي أمراضنا تزمن وتستفحل[cite: 17].

يجب أن نعترف بأن نظام الأحزاب الراهن لا يناسبنا، ولا يوردنا إلا سراباً، انظروا فقط إلى واقعنا لتتضح الصورة بجلاء[cite: 17]. الديمقراطية الليبرالية (عارية مستعارة) وليست إرثنا المؤثل[cite: 17]. وإن الأحلام المزمنة للنخب السياسية السودانية هي بالذات باب الريح وهي بالذات العوائق الكأداء التي تعترض الطريق إلى الاستقرار والنماء[cite: 17].

تجاربنا تقول ذلك بصدق: حينما تكون الأحزاب السياسية خارج السلطة، فإنها لا تألو جهداً من أجل إسقاط الحكومة القائمة، مهما تكن، حتى لو كانت حكومة ديمقراطية منتخبة، أو كانت انتقالية مؤقتة (تسقط بس)، وهي في سبيل غرضها هذا لا ترقب في شعب إلاً ولا ذمة[cite: 17].

ألا ترى أن من أهم أولويات الأحزاب المعارضة كفالة الحريات: حرية التعبير، حرية النشر، حرية الاعتقاد، حرية المرأة، حرية التنظيم، حرية التجمع والتظاهر… إلخ، وهم إذ يطالبون بتلك المقدسات المترفة فإنهم يعتبرونها أهم حقوق الشعب السوداني وعلى رأس أولوياته بحجة أن المطالب الأخرى إنما تنبني عليها[cite: 17]. هل فعلاً الشعب السوداني يعتبر حرية التعبير وحرية التنظيم وحرية التجمهر والتظاهر أولوية بالنسبة إليه؟ محض افتراء[cite: 17]. في الحقيقة هي مطالب النخب والتنظيمات السياسية نفسها وهي مطالب فوقية لا تهم حتى القواعد الشعبية لتلك التنظيمات، فالشعب لا يهمه شيء أولى من المعيشة الجيدة الآمنة[cite: 17].

أما إذا تعذر الآن مراجعة خيارات دولة 56 التي اختطفت الحكم من جانب نخبة كلية غردون الاستعمارية، فإن أولويات الشعب السوداني ومطالبه إزاء أي نظام حكم تتمثل في الأجندة التالية[cite: 17]:

📌 مطالب وأولويات الشعب الرئيسية الستة:

  1. المحافظة على ثالوث الأمان: حماية الأمن والهوية المعتدلة والسيادة الوطنية، واعتبار أي تلاعب بهذه الأقانيم المصيرية خيانة صريحة لحق الشعب[cite: 17].
  2. إلغاء سياسة التحرير الاقتصادي: اعتماد نظام الاقتصاد المختلط (Mixed Economy) لاسترداد الثروة القومية، وذلك عبر احتكار الدولة لتصدير السلع النقدية الست (الذهب، الحبوب الزيتية، الصمغ العربي، المنتجات الحيوانية، القطن، والذرة)، واحتكار استيراد السلع الاستراتيجية (الوقود، الدقيق، الأدوية، ومدخلات الإنتاج)[cite: 17].
  3. تحقيق الرخاء والنماء: اتخاذ سياسات تنهي الغلاء عبر تقوية قيمة العملة واستقرارها، وتوفير حد أدنى للأجور يكافئ حاجيات المعيشة، وتخفيض الجبايات[cite: 17].
  4. التعليم المجاني: توفير تعليم جيد ومجاني وداخلي، كما كان الحال في الستينات وما قبلها[cite: 17].
  5. الرعاية الصحية الشاملة: تقديم خدمات الرعاية الصحية البيئية والعلاجية المتكاملة والمجانية[cite: 17].
  6. القضاء الجذري على الفساد: تبني خطة عاجلة لمكافحة تهريب الثروة، ونشاط السوق الأسود، واستغلال النفوذ لجني المال واختطاف الفرص[cite: 17].

تلك هي مطالب الشعب الستة الرئيسية وهي المقدمة على الحرية والديمقراطية، فلا يهم من يحكمه إذا كان يجعلها قضيته وعلى رأس أولوياته وهمومه اليومية لأنها هموم الشعب اليومية فعلاً[cite: 17].

وأما أحلام العلمانية والحريانية والديمقراطية الليبرالية (نموذج ويست منستر) فهي تخص فئة قليلة تملأ الفضاء صخباً وغضباً ولم تكن يوماً من هواجس الشعب[cite: 17]. فالمواطن (محمد أحمد الأغبش) لا يستشعر أنه مكبل أو مكمم ويحتاج إلى حرية من أحد، ولا يجد فرقاً بين أن يحكمه عسكري أو مدني[cite: 17].

المواطن يريد قيادة كقيادة إبراهيم عبود وجيش عبود وبرنامج تنمية عبود وصرامته ونزاهته وأخلاقه؛ ليسود مثله ويعمر البلاد ست سنين، فيفعل ما فعله عبود فينا بلا زيادة أو نقصان.. ثم لتقم أكتوبر بعدها فلا مشاحة![cite: 17]

والله يهدي إلى سواء السبيل[cite: 17]

#محمد_عبدالقادر_سبيل #السودان #دولة_56 #أولويات_الشعب #مورال_نيوز
موقع مورال نيوز ©

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *