هشام بابكر
حينما يصير البعد اقرب مسافة إلى نبض الوطن
حيثما حط السوداني رحاله في اصقاع الأرض ظل قلبه معلقا بتراب وطنه وضميره يقظا لا تغفو ذاكرته عن أوجاع الاهل مهما تباعدت المسافات وتقاطعت الحدود
ذلك ليس مجرد حنين عابر ولا عاطفة تولدها لحظة أزمة بل هو معنى متجذر في وجدان شعب حمل وطنه معه أينما ذهب في ذاكرته ولهجته وأغانيه وطقوسه وفي ذلك الشعور العميق بأن السودان ليس مكانا نعود إليه فحسب بل وطن يسكن فينا حتى ونحن بعيدون عنه
واليوم وفي خضم المعركة المصيرية التي يخوضها السودان دفاعا عن أمنه وسيادته وكرامته وهويته تتجلى هذه الحقيقة بصورة أكثر وضوحا فبينما تقف قواتنا المسلحة في ميادين المواجهة وتقدم التضحيات دفاعا عن الوطن لم تقف الجاليات السودانية في دول الخليج وأوروبا والأمريكتين وآسيا وأفريقيا موقف المتفرج
لقد تحولت المسافة إلى جسر والاغتراب إلى مساحة للعطاء وأصبح السوداني في الخارج يشعر أن له موقعا في معركة وطنه وإن كان بعيدا عن ساحات المواجهة
من الرياض وجدة والدمام إلى القاهرة وسلطنة عمان وقطر ولندن وباريس وبرلين ونيويورك ظهرت مبادرات سودانية حملت وجوها متعددة من الوفاء حملات لجمع التبرعات وتوفير الأدوية والمستلزمات الطبية ودعم المستشفيات وإسناد الأسر المتضررة وتقديم الغذاء والكساء كل بما يستطيع
وربما لا يعرف الجندي في موقعه اسم من أرسل إليه علبة دواء أو من اقتطع جزءا من راتبه لإسناد أسرة فقدت عائلها أو من قضى ساعات طويلة في تنظيم حملة دعم في مدينة بعيدة لكنه يعرف في لحظة ما أن خلفه شعبا لم ينسه
وهنا تكمن القيمة الحقيقية لهذا التلاحم فالعطاء لا يقاس دائما بحجمه وإنما بالمعنى الذي يحمله
لكن معركة السودان لم تكن عسكرية وإنسانية فحسب بل كانت أيضا معركة على الوعي والحقيقة والصورة التي تُرسم عن البلاد في الخارج
وفي هذه المساحة لعب السودانيون في المهجر دورا لا يقل أهمية فقد نظموا الندوات وخاطبوا المؤسسات والمنظمات الدولية وفتحوا نوافذ الحوار مع المجتمعات التي يعيشون بينها واستخدموا وسائل التواصل الاجتماعي لإيصال أصواتهم وشرح ما يرونه حقيقة من واقع وطنهم
لقد أصبح السوداني في الخارج في كثير من الأحيان شاهدا على وطنه وسفيرا لقضيته في آن واحد
ولا يعني ذلك أن أبناء السودان في الخارج متفقون في كل شيء أو أن رؤيتهم للأحداث واحدة فاختلاف المواقف أمر طبيعي في المجتمعات لكن الجامع الأكبر بينهم يظل هو الوطن والرغبة في أن يتوقف نزيفه وأن يعود الأمن والاستقرار إلى ربوعه
وهذا هو المعنى الأعمق للاغتراب السوداني أن تكون بعيدا عن الجغرافيا لكنك قريب من الوجدان
فالرسائل التي تنتقل بين الداخل والخارج والدعوات التي تصعد من البيوت والمساجد والمجالس والمساعدات التي تعبر الحدود والمبادرات التي يولد بعضها من إمكانات بسيطة كلها تقول شيئا واحدا السودان لا يعيش داخل حدوده الجغرافية وحدها السودان يعيش في قلوب أبنائه أينما كانوا
إلى أبطال قواتنا المسلحة الذين يقفون في مواقعهم دفاعا عن الوطن نقول خلفكم شعب يتابع تضحياتك وأسر تنتظر عودتكم وأمهات يرفعن أكفهن بالدعاء وأبناء يحلمون بيوم يعود فيه الوطن آمنًا مطمئنًا
وإلى شهدائنا الذين قدموا أرواحهم في سبيل وطنهم تبقى الذكرى أمانة ويبقى الوفاء بهم مسؤولية تتجاوز الكلمات فالذين رحلوا تركوا خلفهم وطنا يستحق أن نعمل جميعا من أجل أن ينهض من جديد
وإلى أهلنا في الاغتراب الذين حملوا السودان معهم إلى كل مدينة وبلد وفتحوا أبواب بيوتهم ومبادراتهم وقلوبهم لوطنهم لقد كنتم وما زلتم إحدى صور السودان الجميلة في الخارج
قد تفرقنا الجغرافيا وقد تجعلنا الظروف نعيش في قارات مختلفة لكن الوطن حين يسكن القلب لا يحتاج إلى جواز سفر ولا تعوقه الحدود
سيبقى السودان أكبر من المسافات وأعمق من الأزمات وأبقى من كل الظروف
وسيظل أبناؤه في الداخل والخارج قادرين على صناعة طريق العودة طريق إلى الأمن والسلام والاستقرار وإلى دولة تستعيد عافيتها وتجمع أبناءها تحت راية واحدة وتفتح أمام أجيالها القادمة أبواب الأمل
فالوطن الذي يسكن القلوب لا تباعده المسافات والسودان الذي حمله أبناؤه معهم إلى كل المنافي سيظل حاضرا ما دام في أبنائه هذا القدر من الوفاء
عاش السودان حرا أبيا وحفظ الله أهله ورحم شهداءه وحفظ جنوده وجمع أبناءه على كلمة سواء وأعاد إلى ربوعه الأمن والسلام والاستقرار

فعلا سيبقي السودان اعمق من الازمات… وفقت