الأمن مسؤولية الجميع
د. الباقر عبد القيوم علي
كاتب وصحفيفالسرقة جريمة، وترويج الخمور والمخدرات ومظاهر الانفلات كلها جرائم لا يمكن لأهالي المنطقة أن يتسامحوا معها تحت أي ظرف من الظروف، وكل سلوك يهدد أمن الناس أو يعكر صفو حياتهم يظل مرفوض، خاصة وأن مجتمع الولاية عُرف بإستقراره وتماسكه.
فالظواهر السالبة ظهرت بصورة أكثر وضوحاً خلال ظروف الحرب، ومن الطبيعي مع تزايد أعداد النازحين، أن يُفرز واقع أمني وإجتماعي جديد على الولاية، يستدعي المعالجة بالحزم والوعي في آن واحد، ولكن ذلك يجب ألا يقود إلى أحكام عامة تطال جميع النازحين، فالأزمة أوسع من ذلك بكثير، ونحتاج إلى النظر إليها من زاوية أوسع حتى تتضح الصورة أمامنا كاملة، ولا بد من الفصل بين من إرتكب الجريمة ومن وجد نفسه في الولاية نازح بفعل الحرب.
فالولاية الشمالية تعيش منذ اندلاع الحرب واحدة من أكثر مراحلها تعقيداً، فقد أصبحت ملاذ لآلاف الأسر التي تركت بيوتها ومصادر رزقها بحثاً عن الأمان، في مدن وقرى الولاية التي إستقبلت أعداداً كبيرة من النازحين، وتقاسمت معهم ما لديها من موارد وخدمات ومساحات، في ظروف معلومة للجميع، ولم يكن أحد من الطرفين في حالة إستعداد لها.
“النازح ليس عدواً، والمواطن الذي يطالب بالأمن ليس خصماً للنازح، كلاهما ضحية لحرب لم يختارها أحد منهما.”
ومن الطبيعي أن تفرز الحرب أوضاع إجتماعية وإقتصادية وأمنية معقدة، فالفقر، والبطالة، والاكتظاظ، وفقدان مصادر الدخل، وتفكك بعض الأسر، وضغوط النزوح كلها عوامل يمكن أن تخلق بيئة مواتية لظهور الجريمة والظواهر السالبة، وهذا لا يعني بأي حال من الأحوال تبرير الجريمة أو ربطها بالنازحين كجماعة، فالغالبية العظمى من الذين نزحوا إلى الشمالية يبحثون عن الأمان فقط، ويكافحون بالحلال من أجل لقمة العيش، وهم في نهاية الأمر جزء من نسيج المجتمع السوداني الذي داهمته الحرب.
ولذلك فإن التعامل مع العشوائيات بإعتبارها عنوان ضخم لمشكلة أمنية فقط، هو إختزال للموضوع، فالحل بالإزالة سيقود إلى فهم خاطئ للقضية وربما يفتح أبواب كانت مغلقة، ومن الممكن أن تؤدي إلى زيادة الإحتقان الإجتماعي في الوقت الذي يحتاج فيه السودان إلى التماسك أكثر من أي وقت مضى.
المسؤولية الأمنية والمجتمعية
فالمطلوب هو الحسم المنضبط الذي يستهدف الجريمة وليس الإنسان، ويعالج الخلل ولا يمس وجود الأسر التي أجبرتها الحرب على النزوح.
وهنا تقع المسؤولية على عاتق شرطة الولاية والأجهزة المختصة بصورة مباشرة، فالناس هنا لا يطلبون المستحيل، وحل الموضوع يتمثل في دوريات أكثر، وإنتشار أمني واسع يبعث الطمأنينة في النفوس، وهنا لا بد من السرعة في التعامل مع البلاغات، وملاحقة حقيقية لأصحاب السوابق ومروجي الخمور والمخدرات وكل من يستغل ظروف الحرب لبناء بؤر للجريمة، وكذلك يجب أن يُطبق القانون بحزم وعدالة، وأيضاً لابد من تشديد العقوبات في حدود ما يسمح به القانون، لفرض هيبة الدولة، وكل هذه الإجراءات كفيلة بأن ترسل رسالة واضحة للعابثين بأمن الشمالية، بأنها ليست أرض سائبة، وأن أمن المواطن خط أحمر.
وفي المقابل تقع على المجتمع مسؤولية لا تقل أهمية عن مسؤولية الأجهزة الأمنية، فالأمن مسؤولية الجميع، ولذلك لابد من مشاركة المجتمع في مكافحة الجريمة بالتعاون مع السلطات، وعلى لجان الأحياء مراقبة الظواهر المريبة والتبليغ عنها فوراً، فالمواطن ولجنة الحي والأسرة كلها حلقات في منظومة واحدة، وكلما إرتفع الحس الأمني لدى المواطنين، أصبح إكتشاف الجريمة ومنعها أسهل وأسرع.
أما قضية العشوائيات، فهي تحتاج إلى معالجة هادئة ومدروسة تشترك فيها الحكومة والمحليات والأجهزة الأمنية والجهات المعنية بالنازحين والمجتمع المحلي، وذلك عبر تنظيم السكن، وحصر الموجودين، ومعرفة الإحتياجات الضرورية، وتوفير الحد الأدنى من الخدمات، فهذه كلها إجراءات يمكن أن تحقق الأمن من دون أن تتحول القضية إلى مواجهة بين الأهالي والنازحين.
ومن المهم جداً في هذه الظروف الحالية ألا نسمح لبعض الأصوات بأن تستغل المخاوف المشروعة من الجريمة لإشعال فتنة إجتماعية، أو تحميل فئة كاملة من المجتمع مسؤولية أفعال أفراد، فهذا خطأ، فالتعميم (من العمى) وهو ظلم، كما أن السكوت عن الجريمة ظلم أكبر منه، وبين الاثنين تقف الدولة والقانون، لتحديد المسؤول عن الجريمة، ومحاسبة المجرم، وحماية من لا ذنب له.
من المؤكد أن المطالبة بالأمن حق مشروع، وإزالة مصادر الجريمة واجب، وفرض هيبة الدولة ضرورة، ولكن الطريق إلى ذلك يجب أن يكون عبر القانون والمؤسسات المنوط بها ذلك، والتنظيم، وليس عبر ردود الأفعال التي قد تزيد من معاناة أناس لا ذنب لهم بالقضية، إقتلعتهم الحرب من بيوتهم وأتت بهم إلى هنا.
الشعب السوداني لا يحتمل خصومة جديدة بين أهله، والولاية الشمالية التي فتحت أبوابها للنازحين تحتاج إلى حماية أمنها وإستقرارها، ولذلك فأن حل هذه المعادلة ليس مستحيل، فمن الممكن حماية المجتمع من الجريمة، وإحتواء النازحين.
