اُختتمت “ورشة الخدمات الاجتماعية الأولى” التي نظمتها إدارة الخدمات الاجتماعية بديوان الضرائب تحت شعار «الخدمات الاجتماعية.. الواقع والطموح»، والتي انعقدت على مدى يومين بالخرطوم برعاية الأمين العام لديوان الضرائب الأستاذ بدر التمام محمد سعد، وتشريف وزير المالية دكتور جبريل إبراهيم، ومشاركة مديري الإدارات ذات الصلة بالعمل الاجتماعي، ومديري الولايات، ومدير الإدارة العامة للخدمات الاجتماعية، ومناديب العلاج لكل ولاية، وإطلالة مباشرة عبر تقنية الزوم للمشتركين من مختلف ولايات السودان، حيث ركزت النقاشات على واقع الخدمات المقدمة للعاملين والتحديات التي تواجهها، وسبل تطويرها والارتقاء بمستوى الأداء، وركزت الورشة بجانب تشخيص مشكلات الخدمات الاجتماعية، إلي مستقبل تمويل هذه الخدمات، واستدامتها، في ظل ظروف اقتصادية بالغة التعقيد، وتراجع الموارد الذاتية للديوان، وتزايد كلفة العلاج والاحتياجات الاجتماعية للعاملين وأسرهم.
وأكد الأستاذة ماجدة عثمان علي نور مدير الإدارة العامة للخدمات الاجتماعية بديوان الضرائب أن تحسين الوضع المعيشي للعاملين بالديوان، وتجديد الخدمات الاجتماعية يعد “أداة مهمة” تسهم في زيادة الإيرادات، مبينةً أن الورشة ناقشت قضايا هامة وحيوية تواجه العامل بالديوان، وسعت لإيجاد حلول لها لينال “المعيشة الطيبة” في المجالات الطبية والخدمية والتعليمية لأبنائه، منوهةً إلى أوراق العمل التي ناقشتها الورشة والتي قالته إنها لامست وضع العاملين وسعت لتحقيق طموحاتهم، باعتبارهم “وقوداً إضافياً” لتنفيذ برامج الديوان في مختلف الجوانب.
وجاءت رؤية المدير العام لديوان الضرائب الأستاذ بدر التمام محمد سعد، بضرورة التفكير خارج الصندوق، في ظل تحدي في انعدام الموارد الذاتية الذي يواجه الخدمات الاجتماعية بالديوان، مبيناً أن الديوان كان يمتلك في السابق موارد ذاتية، من بينها نسبة من إيرادات القيمة المضافة وعائدات الجزاءات، قبل أن تُلغى تلك الموارد، ليصبح الديوان معتمداً بصورة أساسية على ما يخصص له عبر موازنة وزارة المالية، ويرى مدير الديوان أن استمرار الخدمات الاجتماعية بهذه الطريقة يفرض الحاجة إلى التفكير في بدائل جديدة، عبر إنشاء صناديق استثمارية ومشروعات توفر موارد مستدامة للخدمات، ولعل أكثر الأفكار لفتاً للانتباه كانت مقترح إنشاء مستشفى للعاملين، لا باعتباره مرفقاً علاجياً فحسب، وإنما مشروعاً يمكن أن يقدم خدمات للعاملين وغيرهم، ويشكل في الوقت ذاته مورداً يساعد على استدامة النشاط الاجتماعي، طارحاً الاستفادة من القوة الشرائية للعاملين، مشيراً إلى أن عدد العاملين في الديوان يصل إلى نحو 8 آلاف، ومع إضافة أفراد أسرهم فإن الكتلة المستفيدة من الخدمات تصل إلى قرابة 40 ألف شخص، وهنا تتغير النظرة إلى الخدمات الاجتماعية من كونها مجرد بند للصرف إلى اعتبارها مجالاً يمكن أن يُبنى عليه نشاط استثماري يعود بالنفع على العامل والمؤسسة معاً.
“المواطن أصبح يجد صعوبة في الحصول على لقمة عيشه، وسعر الرغيفة بلغ 500 جنيه، مما يتطلب زيادة الإيرادات العامة وتقليل الاعتماد على التمويل بالعجز.”
ووضع وزير المالية دكتور جبريل إبراهيم الورشة أمام صورة أوسع من نطاق الخدمات الاجتماعية، بتناوله الضغوط الاقتصادية التي يعيشها المواطن، محذراً من التآكل السريع في سعر صرف العملة الوطنية والارتفاع المتسارع في معدلات التضخم، ولخص الوزير جانباً من قسوة المشهد الاقتصادي بقوله إن المواطن أصبح يجد صعوبة في الحصول على لقمة عيشه، مشيراً إلى أن سعر الرغيفة بلغ 500 جنيه، في إشارة مباشرة إلى اتساع الفجوة بين الدخول والأسعار وتراجع القوة الشرائية، ويرى دكتور جبريل أن اعتماد الدولة بصورة أساسية على التمويل من النظام المصرفي لتغطية المجهود الحربي وتمويل الموسم الزراعي أدى إلى ضخ كميات كبيرة من النقد، وانعكس ذلك على أسعار السلع، ومن هنا جاءت دعوة الوزير إلى زيادة الإيرادات العامة، حتى تتمكن الدولة من تقليل اعتمادها على التمويل بالعجز، مؤكداً أن المعركة ليست فقط مع ارتفاع الأسعار، وإنما مع المحافظة على القيمة الحقيقية لدخول أصحاب المرتبات الثابتة، وهنا تصبح الضرائب واحدة من أهم أدوات الدولة في مواجهة الاختلال المالي، الأمر الذي دفع الوزير إلى مطالبة العاملين بديوان الضرائب ببذل جهد استثنائي، واصفاً إياهم بأنهم «جنود الآن»، في رسالة تختصر حجم الرهان على الديوان في المرحلة المقبلة.
ولم يغفل وزير المالية ما حققه ديوان الضرائب خلال السنوات الماضية، مشيداً بما وصفه بالأداء المتميز للعاملين، ومؤكداً أنه لا يستطيع أحد إنكار الجهد الذي بذلوه، مشيراً إلى تضاعف إيرادات الضرائب بصورة كبيرة في مؤشر على قدرة الديوان على تحقيق نتائج ملموسة عندما تتوافر الإرادة والجهد والأدوات المناسبة، بيد أن إشادة الوزير بالإنجاز لم تكن دعوة للاكتفاء بما تحقق، بل بدت أقرب إلى تحميل الديوان مسؤولية مضاعفة في المرحلة المقبلة، خصوصاً في ظل حاجة الدولة إلى موارد حقيقية تساعدها على تمويل التزاماتها بعيداً عن التمويل بالعجز، وفي المقابل، يرى مراقبون أن مطالبة العامل بمزيد من التحصيل دون النظر إلى أوضاعه المعيشية والخدمية قد تظل معادلة ناقصة، باعتبار أن الموظف الذي يواجه ارتفاع تكلفة العلاج والمعيشة والتعليم وغيرها من الالتزامات الأسرية يحتاج إلى بيئة عمل توفر له الحد الأدنى من الاستقرار الذي يمكنه من مواصلة العطاء.
واختتمت الورشة أعمالها بـ 13 توصية ومقرراً استهدفت معالجة جوانب متعددة من الخدمات الاجتماعية، بما يعكس رغبة في الانتقال من الحلول الجزئية إلى بناء منظومة أكثر انتظاماً واستدامة، ومن أبرز التوصيات إنشاء مجلس إدارة لصندوق الخدمات برئاسة الأمين العام، إلى جانب إنشاء مرافق صحية خاصة بالعاملين تشمل المستشفيات والصيدليات والمعامل، بما يخفف أعباء العلاج ويمنح العاملين خيارات أكثر استقراراً، وفي جانب التمويل، أوصت الورشة بزيادة الجهد في التحصيل بما يرفد خزينة الدولة ويقلل الحاجة إلى التمويل بالعجز، إلى جانب تخصيص نسبة معينة من الإيرادات الضريبية والفاقد الضريبي والجزاءات لصالح النشاط الاجتماعي بالديوان، كما طرحت إنشاء صندوق تكافلي تكميلي يساعد في علاج العاملين وسد الفجوة بين سقف العلاج وتكلفته الفعلية، مع مساهمة شهرية من مديري الولايات لتخفيف تكلفة العلاج، والإعداد المبكر لبند النشاط الاجتماعي ضمن موازنة العام 2027م، وغيرها من التوصيات التي وضعت فلسفة واضحة: لا يمكن مطالبة العامل بمزيد من الإنتاج والعطاء دون الاستثمار في استقراره واحتياجاته الأساسية.
على كلٍّ.. فإن الخدمات الاجتماعية، وفق المنظور الذي ناقشته الورشة، ليست امتيازاً إضافياً أو نشاطاً هامشياً داخل مؤسسة كبيرة، وإنما يمثل جزءاً من منظومة الأداء نفسها، وإذا كان ديوان الضرائب يحتل موقعاً محورياً في رفد خزينة الدولة بالموارد، فإن الحفاظ على العامل وتحسين بيئة عمله، يصبحان جزءاً من الحفاظ على قدرة الدولة المالية ذاتها.
