رسالة إلى من يعنيهم أمر الإعلام والدبلوماسية وصورة السودان في الخارج
هناك ملفات يمكن تأجيلها وهناك ملفات لا تحتمل التأجيل والإنعاش، والإعلام واحد من أهم الملفات التي لا ينبغي أن تتراجع إلى الصفوف الخلفية خصوصاً في مرحلة ما بعد الحرب، فالإعلام الوطني يعتبر اليوم صوت الدولة وذاكرتها وواجهتها أمام العالم، والأداة التي تستطيع أن تقدم حقيقة السودان، وتبرز إنجازاته، وتحمي صورته من أن تترك للآخرين ليصنعوها كما يشاؤون.
ومن هنا يأتي سؤالنا بكل وضوح واحترام: أين تلفزيون السودان عندما يحضر السودان؟
تابعنا مؤخراً زيارة والي ولاية الخرطوم الأستاذ أحمد عثمان حمزة والوفد المرافق له إلى سلطنة عمان، للمشاركة في أعمال الدورة العشرين للمؤتمر العام لمنظمة المدن العربية بمحافظة ظفار، وهو محفل عربي مهم وفي دولة عُرفت بتجربتها في العمل المؤسسي والتنمية والإدارة. زيارة بهذا المستوى لا يفترض أن تكون فقط كمشاركة في مؤتمر، كانت فرصة للسودان ليكون حاضراً في مساحة عربية ودولة مهمة كسلطنة عمان، ولفتح أبواب جديدة للتعاون والعلاقات والتواصل.
“فكيف يغيب التلفزيون القومي عن مثل هذا الحضور؟”
وهذا السؤال لا نطرحه على الوالي ولا على السفارة ولا على جهة بعينها، وإنما نضعه أمام المؤسسة الإعلامية الرسمية وأمام المسؤولين عن الإعلام والدبلوماسية في الدولة. فالوالي يزور، والوفد يتحرك، والدبلوماسية تلتقي، والسودانيون في الخارج يتابعون، لكن أين المؤسسة الإعلامية التي توثق هذا الحضور وتقدمه للمواطن السوداني وللعالم؟
والأمر لا يتعلق بهذه الزيارة وحدها. خلال الفترة الماضية شهدت سلطنة عمان زيارات لمسؤولين سودانيين وفعاليات ومناسبات ونجاحات للسودانيين، وهي جميعا مساحات كان يمكن للإعلام القومي أن يستثمرها لصناعة صورة مختلفة للسودان خصوصاً في ظل الظروف التي مر بها الوطن.
نحن اليوم بحاجة إلى إعلام يتحرك مع الدولة، لا إعلام ينتظر أن تصل إليه الأخبار. السودان خرج من حرب تركت آثاراً سياسية واقتصادية واجتماعية وإعلامية عميقة، وأحد أهم تحديات المرحلة المقبلة هو استعادة صورة السودان وحضوره وعلاقاته الخارجية. وهذا لن يتحقق بالخطاب الرسمي وحده.
نحتاج إلى إعلام يوثق، ويشرح، ويبرز، ويربط السودان بمحيطه، ويقدم للعالم وجه السودان الحقيقي؛ السودان الذي يريد أن يعود إلى البناء والإعمار، والسوداني الذي يصنع النجاح رغم الظروف، والجالية التي تحمل وطنها معها أينما ذهبت.
وفي سلطنة عمان، كما في غيرها من دول العالم، هناك سودانيون ناجحون، وطلاب متفوقون، ومبادرات إنسانية، وكفاءات وخبرات، وهناك علاقات اجتماعية واقتصادية يمكن أن تكون جسوراً حقيقية لخدمة السودان. أين التغطية الإعلامية لكل ذلك؟ لماذا لا يكون لتلفزيون السودان حضور مستمر في هذه المساحات؟ ولماذا لا تكون هناك خطة واضحة للإعلام الخارجي، خصوصاً في الدول التي توجد فيها جاليات سودانية كبيرة؟
نحن لا نطالب بأن يتحول التلفزيون إلى منصة دعائية، ولا بأن يغطي كل صغيرة وكبيرة، وإنما نطالب بأن يقوم بدوره الطبيعي كإعلام قومي أن يكون حاضراً عندما يكون حضور السودان مهماً. فغياب الإعلام القومي يترك فراغاً، والفراغ الإعلامي لا يبقى فراغاً طويلاً… يملؤه الآخرون. وعندما لا نحكي نحن قصة السودان، سيحكيها غيرنا. وعندما لا نوثق نجاحات السودانيين، ستظل هذه النجاحات خارج المشهد. وعندما لا نقدم حضور مسؤولينا في المحافل الخارجية، سيظل جزء كبير من هذا الحضور بعيداً عن المواطن السوداني.
لذلك، فإن الرسالة إلى السيد مدير الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون، وإلى السيد وزير الثقافة والإعلام، وإلى السيد وزير الخارجية وإلى كل المسؤولين المعنيين:
ملف الإعلام الخارجي يحتاج إلى وقفة جادة. نحتاج إلى مراسلين فاعلين وإلى تغطية مهنية، وإلى تنسيق حقيقي بين المؤسسات الإعلامية والبعثات الدبلوماسية ليغطي إعلام تلفزيون السودان القومي كل المناسبات والمحافل التي يمثل فيها السودان.
ونحتاج قبل ذلك إلى أن نؤمن بأن الإعلام جزء من العمل الدبلوماسي، وليس تابعتً له فقط. فإذا كانت الخارجية تعمل على بناء العلاقات، فالإعلام يعرف بهذه العلاقات. وإذا كان المسؤول السوداني يحضر محفلاً دولياً، فالإعلام يوثق هذا الحضور. وإذا كانت الجالية السودانية تبني جسوراً مع المجتمعات التي تعيش بينها، فالإعلام يبرز هذه الجسور. وإذا كان السودان مقبلاً على الإعمار، فالإعلام يجب أن يكون من أوائل أدوات الترويج لهذا السودان الجديد.
هذه دعوة إلى إعادة النظر في مفهوم الإعلام القومي في مرحلة ما بعد الحرب.
نريد تلفزيون السودان أن يكون حاضراً في المحافل التي يذكر فيها السودان، وفي النجاحات التي يحققها السودانيون. نريد إعلاماً يواكب السودان وهو يتحرك، لا إعلاماً يصل بعد أن ينتهي الحدث.
فالسودان اليوم لا يحتاج إلى أن يُرى من زاوية الحرب وحدها. يحتاج العالم أن يرى السودان الذي يعود، والسودان الذي يبني، والسودان الذي يمتلك الكفاءات، والسودان الذي يحافظ على هويته وعلاقاته ومكانته. وهذه مسؤولية الدولة، ومسؤولية الإعلام، ومسؤولية كل من يحمل أمانة تمثيل هذا الوطن.
السودان حاضر في الخارج… فمتى يحضر إعلام السودان بالحجم الذي يليق بهذا الحضور؟
هذه الرسالة ليست عتاباً، وإنما دعوة إلى التحرك. فالمرحلة المقبلة أكبر من أن نتركها للصدفة، وصورة السودان في العالم أكبر من أن تترك للآخرين. السودان يستحق إعلاماً يرى ما يحدث، ويوثقه، ويقدمه للعالم كما هو… لا كما يريد الآخرون أن يكون.
