أعمدة ورأي دعاش الخير
✍️ بقلم: محمد حسن كبوشية
محمد حسن كبوشية - دعاش الخير - موقع مورال نيوز
الكاتب محمد حسن كبوشية | موقع مورال نيوز

حين تجاز فكرة إنشاء صندوق للوقود والخدمات اللوجستية في ولاية نهر النيل فإن الخبر يستحق قراءة تتجاوز حدود الاجتماع وقرار الإجازة. نحن أمام محاولة لمعالجة واحدة من أعمق مشكلات الاقتصاد السوداني. كيف تتحول الموارد الموجودة تحت الأرض وفوقها إلى إنتاج مستمر وخدمات مستقرة وعائد يشعر به المواطن؟ وكيف تنتقل الحكومة من انتظار الأزمة إلى بناء أدوات تمنع تكرارها؟

الوقود في ولاية تضم التعدين والزراعة والصناعة ليس مجرد سلعة تباع في المحطات. إنه عنصر يحدد قدرة المعدّن على العمل والمزارع على تشغيل مضخته والمصنع على الإنتاج والشاحنة على الوصول إلى السوق والميناء. وحين تضطرب إمداداته تتوقف هذه السلسلة أو ترتفع تكلفتها. لذلك فإن تأمين الوقود بصورة مؤسسية يمكن أن يحقق أثراً يتجاوز قطاع الطاقة إلى مجمل النشاط الاقتصادي.

اقتصادياً يتيح الصندوق تجميع الموارد وتمويل الإمدادات وتنظيم التوزيع وبناء مخزون يساعد على مواجهة الانقطاع. وإذا نجح في تقليل شراء الوقود تحت ضغط الحاجة العاجلة وتحسين التخزين والنقل فإنه يستطيع تخفيف بعض التكاليف التي يتحملها المنتج. لكن استقرار الأسعار لن يتحقق بمجرد قيام الصندوق. فهو يتوقف أيضاً على تكلفة الاستيراد وسعر الصرف وكفاءة الإدارة وعدالة التسعير ومنع تسرب الإمدادات إلى المضاربة.

“تكتسب الفكرة أهميتها من الربط بين الذهب المنتج والقنوات المصرفية الرسمية وتمويل احتياجات الإنتاج.”

وتكتسب الفكرة أهميتها من الربط بين الذهب المنتج والقنوات المصرفية الرسمية وتمويل احتياجات الإنتاج. فإذا نُفذت هذه الدورة بضوابط واضحة فإنها قد تساعد على توجيه موارد التعدين إلى استمرار النشاط الذي أنتجها وتوسيع التعامل المصرفي. وهنا يحتاج المساهم إلى معرفة كيفية تقييم الذهب وحفظ حقوقه وحساب العائد. فوضوح هذه التفاصيل هو الذي يحول الفكرة إلى ثقة قابلة للاستثمار.

أما الصادرات فإن فائدتها تبدأ قبل وصول البضاعة إلى الميناء. تبدأ من مزرعة تعمل ومصنع ينتج وطريق تسلكه شاحنة بتكلفة محتملة. وكل تحسن في انتظام الوقود والخدمات اللوجستية يمكن أن يدعم القدرة التنافسية للمنتجات السودانية. ولهذا تبدو المبادرة أكبر من وعاء إيرادي لخزينة الولاية. إنها استثمار في قدرة الاقتصاد على توليد الإيرادات من الإنتاج.

اجتماعياً يمكن أن ينعكس انتظام الإمدادات على فرص العمل واستمرار دخول الأسر وتوفر السلع. فتعطل موقع تعدين أو مشروع زراعي يطال العامل وصاحب المهنة الصغيرة والتاجر وأسرهم. غير أن هذه الفوائد تحتاج إلى توزيع عادل للخدمة حتى يصل أثر الصندوق إلى صغار المنتجين والمناطق البعيدة. كما ينبغي أن تقترن تنمية التعدين بمسؤولية تجاه البيئة وصحة المجتمعات المحلية.

وسياسياً تمنح المبادرة حكومة الولاية فرصة لبناء الثقة عبر نتيجة يلمسها الناس. المواطن يريد أن يرى الوقود متاحاً والإنتاج مستمراً والموارد عائدة إلى الخدمات. وحين تصبح الشراكة مع القطاع الخاص واضحة وتخضع الأموال للمراجعة والمساءلة فإن الإدارة تكسب ثقة تستند إلى الأداء. أما غياب الشفافية فقد يحول المشروع الواعد إلى باب جديد للأسئلة والشكوك.

وجود جمعية عمومية ومجلس إدارة ومراجع قانوني بداية مهمة. وتكتمل الحوكمة بنشر تقارير الأداء وتوضيح تكاليف التشغيل وسياسة الأرباح والمخاطر وضوابط اختيار المستفيدين. كذلك فإن العوائد المعلنة تظل توقعات استثمارية تحتاج إلى سند واقعي. نجاح الصندوق يقاس بقدرته على الوفاء بالتزاماته واستمرار الإمداد وحماية أموال المساهمين وتحقيق منفعة عامة قابلة للقياس.

وهنا يستحق والي ولاية نهر النيل الدكتور محمد البدوي عبد الماجد إشادة مستحقة وشكراً على تبنيه مشروعاً يحمل رؤية دولة ويتجاوز حدود الولاية إلى دعم الاقتصاد الوطني. والتقدير موصول للأستاذة أميرة أحمد حسن وزيرة المالية والقوى العاملة لدورها في دعم المبادرة وتأسيس شراكة تستهدف توظيف الموارد لخدمة الإنتاج ومعاش الناس. كما يستحق الأستاذ أبوبكر محمد الأمين مدير الإدارة العامة للشؤون الاقتصادية الإشادة بجهده في بلورة فكرة الصندوق وشرح أهدافه وربط التمويل باحتياجات التعدين والزراعة والصناعة والصادرات. هذه الجهود المتكاملة تعكس توجهاً نحو إدارة اقتصادية تبني أدوات للحلول وتفتح أمام نهر النيل فرصة لتقديم نموذج وطني في استثمار الموارد وحماية الإنتاج وتعزيز الاستقرار.

📌 آخر الدعاش

يا سيادة الوالي إن قيمة هذا المشروع ستظهر حين يحمي دورة الإنتاج ويعيد ثمرتها إلى الناس. نهر النيل تمتلك فرصة لتقديم تجربة يستفيد منها السودان كله. وحين يجد المعدّن وقوده والمزارع إمداده والعامل أجره والمواطن أثر الموارد في خدماته تكونون قد وضعتم لبنة في مشروع دولة يبدأ من ولاية ويمتد أثره إلى الوطن..!!!

موقع مورال نيوز ©

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *