الزميلة لبنى حسين كاتبة مقال من العيار الذهبي. ومن ذا الذي لا يعرف عمودها الصحفي الرنان (كلام رجال) خلال التسعينات.
اختفت فترة ثم لمع نجمها من جديد، وبالأمس قرأت لها مقالاً نشرته صحيفة صوت الأمة بعنوان (حظر استيراد الذهب السوداني أم تشجيع تهريبه؟) استنكفت فيه قرار سويسرا حظر استيراد الذهب الذي مصدره السودان، بحجة أنه يمول طرفي الحرب، ورأت في ذلك تشجيعاً للذهب السوداني المهرب (وهو طبعا يتبع إما للمليشيات أو للصوص تجار الاقتصاد الخفي) حيث سيجد طريقه بيسر وترحيب إلى الأسواق بعد أن يخلو له الجو، لكونه بلا هوية أو مستندات دالة عليه وعلى منبعه، وريعه سيذهب لتسليح الحركات المتمردة على الدولة.
كلام لبنى منطقي وأخلاقي كعادتها عندما تكتب (كلام رجال).
البصمة الجيولوجية للذهب السوداني
ولكنها هذه المرة اعتمدت كلياً على فطنتها المعهودة واستنباطها المنطقي، فلم تعتنِ بالمعلومة التي استعان بها القرار. فللذهب بصمة ينسب بها، كما للنفط خصائص يميز بها عن بقية النفوط. هذا شأن يفيدنا به الجيولوجيون بتفصيل أوفى.
وذهب السودان يرتبط تكوينه الجيولوجي بأحزمة الصخور الخضراء (Greenstone Belts) والدرع العربي النوبي، وغالباً ما تصاحبه شوائب بتركيزات محددة من عروق الكوارتز المرتبطة بنشاط حراري مائي، مثل نسب معينة من الفضة، النحاس، الحديد، أو عناصر معدنية أخرى.
بينما ذهب جنوب إفريقيا مثلاً يتميز بوجود شوائب مجهرية مثل التركيزات العالية نسبياً لعناصر كالزئبق والفضة أو ارتباطه بمعادن اليورانيوم. يحدث هذا التفريق في مراحل التنقية التي لا يتجاوزها ذهبنا حيث لا يصل مستوى النقاء الذي تختفي فيه بصمته (وهي نسبة 99.9% المعروف بعيار 24) من جراء التدني التقني في المصفاة.
وأيضاً قد يستخدم العلماء قياس نسب نظائر بعض العناصر المصاحبة لاستخلاص المعدن مثل الرصاص (Lead Isotopes) أو الرينيوم والأوسميوم (Re-Os isotopes)، والتي تعطي “هوية” أو بصمة لا يمكن تزييفها، وتدل على عمر الصخرة الأم والعمق الجيولوجي الذي تشكل فيه الذهب المعين (سواء في القشرة الأرضية أو الوشاح)، مما يفرّق بدقة بين ترسبات إفريقيا الوسطى/الشرقية وترسبات جنوب إفريقيا.
تساؤلات حول التضييق الدولي والعقوبات
مهما يكن فإنني أود أن أسير مسار لبنى ذاته في التساؤل حول هذا الإلحاح المستمر في التضييق الدولي على الشعب السوداني بالذات، واستمراء محاصرته، ما هو باعثه؟
لا يقولن أحد إنه بغض الإخوان المسلمين والتخوف من شرورهم؛ فالإسلام ليس أخطر على أوروبا من ترسانات روسيا والصين وكوريا الشمالية. وحركة الإسلام في السودان اليوم ليست أنشط منها في أوروبا ذاتها وتركيا وباكستان، فلماذا بلادنا؟ ثم ما ذنب هذا الشعب تنكد حياته بالعقوبات وضنك الحياة بحجة معاقبة أنظمة حكمه المتعاقبة، ومن يقف وراء ذلك على نحو دؤوب؟ هل هم بعض أبنائنا في الغرب؟
“لا أعرف شعباً مبتلى بعقوق كثير من أبنائه المهاجرين كما ابتلي الشعب السوداني. هذه العقوبات المتلاحقة لا تعاني منها دولة مثل السودان، ولا يدفع ثمن الإجراءات الدولية القاسية والماحقة أحد من الحكام المنعمين، بل يئن ويموت تحت وطأتها دائماً بسطاء الشعب.”
ومع ذلك فلا تتوقف بل يعتز بعض أبنائنا بأنهم يقفون وراءها ولن يعتذروا عنها، مهما بلغت آثارها الإنسانية، لأنها من قبيل النضال الوطني المشروع، مع أنهم انتموا إلى أوطان بديلة، وتركوا شعب السودان، كالذهب المجمر بالنار على ترابه، يحاول أن يتدبر حياته بشق الأنفس.
معادن الناس كمعادن الذهب والفضة
ولكن في المقابل هنالك من السودانيين المهاجرين الكرام الذين ينشطون بإيجابية ويشيلون في أقاصي الدنيا هموم شعب لا بواكي له، منهم لبنى حسين. ربما لأن الناس معادن كمعادن الذهب والفضة.
اللهم اهدنا إلى سواء السبيل.
