وصف وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو أمس الأربعاء محاولات التوسط لإنهاء الصراع في السودان بأنها محبطة.
تلك رسالة ناصعة تعبر عن غاية استيائه إزاء تعنت الدول الداعمة للمليشيا وإزاء أداء مسعد بولص الذي لم تحقق جهوده اختراقاً خلال عام ونصف العام؛ لذلك فروبيو ليس قلقاً أو مستاءً بل هو محبط، وبالتالي فليس بينه وبين اليأس التام إلا خطوة.
تباين المدرستين: روبيو السياسي وبولص رجل الأعمال
المتابع الدقيق لمواقف وتصريحات الرجلين: ماركو روبيو ومسعد بولص يلمس الفرق المبين بينهما. فروبيو رجل دولة محترف وكانت له تحركات دبلوماسية مثابرة من أجل وقف تدخل الدول الداعمة للمليشيا ويريد فعلاً حلاً يوقف المأساة بدون رهن ذلك بأجندة منحازة لجهة على حساب أخرى.
بينما بولص رجل أعمال بالمعنى الحرفي؛ فهو يتبنى ذريعة أن الجيش السوداني أيضاً يتلقى دعماً من الخارج، ولإبهام الأمر فقد أشار إلى اثنتي عشرة دولة تدعم الطرفين، مركزاً على دول الجوار الجغرافي تحديداً. هذا هو تقييم بولص وهو يسعى لتحويل جهود السلام التي يبذلها مشروطة بخلفيته التجارية، وطريقة تناوله للملف تثير تساؤلات حول منهجه في الوساطة.
المدرستان متباينتان كما ترون. ولذلك فسوف لن يحدث اختراق حقيقي ما لم يتم سحب الملف من هذا الرجل مسعد بولص وتبني طريقة ماركو روبيو الأقرب للنزاهة والمصداقية والمهنية.
“المشكلة تتعين في أن بولص هو صهر ترمب (رجل الأعمال والسمسار الأكبر)، فهنالك تعقيدات عائلية وكما نعلم (النسيب عين الشمس). ثم إن الرجل متعهد صفقات وقد اجتهد لإنفاذ جزء غير يسير في خارطة الطريق المؤدية إلى عودة حمدوك ومجموعته فكيف يتوقف؟”
لماذا ليس دبلوماسياً محترفاً ولا محايداً؟
سيقول قائل: ومن أين استنتجت أن مسعد بولص ليس دبلوماسياً محترفاً وليس محايداً؟
أقول:
- أولاً: فشله الذريع والمتصل منذ تكليفه بملف حرب السودان في أبريل 2025م.
- ثانياً: رأيه الصريح والمنحاز تجاه قيادة الدولة الشرعية؛ فخلال مقابلة خاصة مع برنامج “نبض السودان” على شاشة سكاي نيوز عربية في سبتمبر الجاري 2026، أكد كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية أن بلاده لا تعترف رسمياً بالحكومة الحالية المدعومة من الجيش في بورتسودان كممثل شرعي للبلاد، وإنما يجري التعامل معها فقط كـ “سلطة أمر واقع”.
لا دبلوماسية هذه التصريحات تتجلى في أن لغة الوسيط الحريص على الاستمالة نحو رأب الصدع لا يمكن أن تكون على هذا النحو المستفز والفظ: “أنا لا أعترف بك، أنت لا تمثل الدولة بصورة شرعية ودستورية ولكننا نتعامل معك كحالة نريد التخلص منها بالمفاوضات!!”
فهل يا ترى يتوقع عاقل أن البرهان سيذهب طائعاً ومسرعاً إلى المفاوضات التي تمثل أُحبولة مشنقته؟
ثم.. هل سحبت الأمم المتحدة اعترافها بممثل حكومة السودان وأفرغت مقعده لفقدان الشرعية الدستورية؟ فكيف إذاً تعلن باسم حكومة الولايات المتحدة أن حكومة السودان (يسميها بقاموس “صمود” حرفياً سلطة بورتسودان) سلطة أمر واقع غير شرعية؟
إذاً فهو يتبنى سردية صمود وخارطة طريقها بحذافيرها وعلناً، ومن الطبيعي ألا يتعاطى معه البرهان وحكومته ويقدموا له تنازلات.
الخلاصة
رأينا أن ماركو روبيو وزير خارجية واشنطن أرجى وأجدر بأن يتولى هذا الملف بحياد وواقعية واحترام. وقتئذ توقعوا تحرقاً وتقدماً.
