حينما تفشل بعض الأنظمة في إدارة التنوع وتلبية أبسط تطلعات شعوبها في العيش الكريم، فإنها تلجأ إلى الخيار الأكثر دموية وهو إرهاب الدولة، وهذا بالضبط ما تمارسه حكومة آبي أحمد منذ وصولها للسلطة في أبريل 2018.
فحين انفجرت الأوضاع واتسعت دائرة المواجهات مع المعارضة، لم يكن ذلك حدثاً عابراً بل هو نتيجة حتمية لسياسات الهيمنة المركزية التي أغلقت كل أبواب الحوار، كما أكدت بيانات تحالفات المعارضة وفي مقدمتها تكتل القوى الشعبية الإثيوبية وجبهة تيغراي؛ أن الإقصاء العرقي واللجوء للحل الأمني هما السبب في انسداد الأفق.
وأمام هذا الفشل المتفاقم، لم تجد أديس أبابا بداً من اختلاق اتهامات واهية لدول الجوار وفي مقدمتها السودان، لصرف الانتباه عن سجلها الدامي في حق شعبها، وهو ما وثقته المنظمات الدولية بحقائق وأرقام لا يمكن إنكارها.
جرائم التطهير العرقي في إقليم تيغراي
إن ما جرى ويجري في إثيوبيا يتجاوز حدود الخلافات السياسية ليصل إلى مرتبة جرائم التطهير العرقي والإبادة وفقاً لما قرره القانون الدولي الإنساني. فحرب تيغراي التي امتدت من نوفمبر 2020 إلى نوفمبر 2022 لم تكن فقط مواجهة عسكرية بل كانت عملية ممنهجة، حيث سعت سلطة آبي أحمد لسحق النموذج الفيدرالي وتفكيك إقليم تيغراي الذي قاد البلاد لعقود.
قام الجيش الإثيوبي وميليشيات موالية بتنفيذ هذه الحملة التي أسفرت -بحسب تقديرات منظمات حقوقية دولية موثقة- عن مقتل ما بين 100 ألف وأكثر من 600 ألف مدني، بين قتيل مباشر وضحية للحصار والجوع وانهيار الخدمات الصحية.
كما وثقت منظمتنا العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش جرائم تطهير عرقي شملت مجزرة أكسوم في نوفمبر 2020 التي أعدم فيها مئات المدنيين العزل، فضلاً عن استخدام الاغتصاب كسلاح حرب وحصار المناطق وقطع الغذاء والدواء والاتصالات عمداً.
استهداف قوميتي الأمهرة والأورومو
ولم يقتصر الأمر على تيغراي، بل امتد ليشمل قومية الأمهرة؛ حيث بدأت العلاقة بتحالف ثم انقلبت إلى استهداف ممنهج حين رفض الإقليم الخضوع الكامل لسيطرة الحزب الحاكم. وبدأت السلسلة بمذبحة ماي كادرا في نوفمبر 2020 التي راح ضحيتها مئات المدنيين بالأسلحة البيضاء.
ومع اندلاع المواجهات من جديد في أغسطس 2023 وسط إعلان حالة الطوارئ، وثقت المصادر المستقلة مقتل وإصابة أكثر من 3283 مدنياً في حملات القمع التي استخدم فيها الجيش الإثيوبي الطائرات المسيرة لقصف الأسواق والمستشفيات والأحياء السكنية، مما أدى إلى دمار واسع ومجازر جماعية طالت عائلات بأكملها، وما زال مسلسل الدم مستمراً حتى اليوم.
“وحتى قومية الأورومو التي ينحدر منها رئيس الوزراء آبي أحمد لم تسلم من البطش عندما طالبت بحقوقها.. تحولت إثيوبيا إلى سجن كبير حيث اعتقل المئات من الصحفيين والنشطاء وقادة الرأي وفرض حجب متكرر على وسائل الإعلام لمنع كشف الحقيقة.”
فبعد اغتيال الفنان هاتشالو هونديسا في يونيو 2020، اندلعت المظاهرات وسقط ما لا يقل عن 239 قتيلاً في مدن (شاشيمنه وبورايا وأماكن أخرى)، واستمر القمع تحت ذريعة ملاحقة جيش تحرير أوروميا مما تسبب في نزوح مئات الآلاف.
تصدير الأزمة وموقف الجيش السوداني
إن سجل نظام آبي أحمد يثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن أديس أبابا هي مصدر عدم الاستقرار الحقيقي في المنطقة.
وإن اتهام الجيش السوداني بتهم باطلة ما هو إلا محاولة مكشوفة للهروب من المسؤولية ولن تنطلي على أحد، فالجيش السوداني إنما يدافع عن أرضه وشعبه أمام مخططات تضر بالمنطقة برمتها. وما ارتكب في حق شعوب تيغراي والأمهرة وأورومو يرقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية تستوجب فتح تحقيق فوري من محكمة الجنايات الدولية ومساءلة القيادات المسؤولة.
إن السلام في إثيوبيا لن يتحقق بالدبابات ولا بالطائرات، بل بإنهاء سياسات القمع واستبدالها بحوار عادل يضمن حقوق كل المكونات، وإلا ستظل المنطقة في دائرة العنف التي لا أحد سيسلم من شرورها.
