سلسلة ريحة البلد - الحلقة السابعة - د. سارة عبد العزيز الزبير
سلسلة مقالات خطيرة (ريحة البلد – الحلقة السابعة) | موقع مورال نيوز

حين نعود إلى البدايات التي مهدت لإنهيار الدولة السودانية وإشعال الفوضى في جسد الوطن، يبرز “قطار عطبرة” المتجه إلى اعتصام القيادة العامة يوم الثلاثاء 23 أبريل 2019 بوصفه محطة سياسية لا يمكن تجاوزها. لم يكن ذلك القطار تحركاً جماهيرياً عفوياً، بل جرى تقديمه وتنظيمه عبر واجهات تجمع المهنيين ولجان المقاومة ونقابات عمال السكة حديد، مع استثمار متعمد لرمزية عطبرة وتاريخها العمالي العريق.

توظيف الرمزية وتثبيت الخطاب الإقصائي

سعت قوى اليسار — بحسب ما كشفته تطورات المرحلة اللاحقة — إلى تصوير مدينة عطبرة وكأنها حاضنة حصرية لمشروعها السياسي العلماني، وإلى توظيف الزخم الشعبي في تثبيت خطاب إقصائي لا يعترف بالشراكة الوطنية ولا بتنوع المجتمع السوداني. وبعد توقيع الوثيقة الدستورية ودخول قوى الحرية والتغيير في شراكة سياسية مع المكون العسكري، انتقل ذلك المشروع من ساحات الهتاف إلى مواقع السلطة والتنفيذ.

آمنة الفكي.. المحاصصة والإقصاء باسم الحرية

وفي هذا السياق، برز اسم آمنة الفكي، والي نهر النيل آنذاك، باعتبارها إحدى واجهات ذلك الخط السياسي (قحت). فالأجواء التي أحاطت بزيارة الفريق أول ركن ياسر العطا إلى عطبرة لم تكن بريئة، بل جاءت ضمن مسعى سياسي لإحراج القيادات العسكرية والنيل من هيبة المؤسسة العسكرية، وقد مثلت تلك الهتافات حلقة مبكرة من خطاب استهداف الجيش ومحاولة تقويض حضوره في المجال الوطني.

لم تكن الوالي آمنة الفكي مجرد موظفة تنفيذية في ولاية نهر النيل، بل كانت رمزا لمرحلة المحاصصات التي رفعت أشخاصاً إلى مواقع المسؤولية على أساس الولاء السياسي لا على أساس الكفاءة والتوافق الوطني. وقد كشفت مواقفها المعلنة وتصريحاتها ذات الطابع الإقصائي تجاه الإسلاميين عن عقلية سياسية لا تقبل التنوع ولا تؤمن بأن الوطن يتسع لجميع أبنائه.

“من يرفع شعارات الحرية والعدالة والسلام ثم يرفض الآخر لمجرد انتمائه الفكري أو السياسي لا يقدم مشروعاً ديمقراطياً، بل يستبدل إقصاءً بإقصاء وتمكيناً بتمكين.. وهذا هو جوهر أزمة قوى الحرية والتغيير: شعارات واسعة في المنابر وممارسة ضيقة في إدارة السلطة والخصومة السياسية.”

تفكيك المؤسسة العسكرية وفتح الباب للمليشيا

لم يكن الاستهداف موجهاً إلى الفريق أول ركن ياسر العطا كشخص فحسب، فالرجل يمثل قيادة عسكرية وطنية ظلت في مواجهة مشروع تفكيك المؤسسة العسكرية. ولذلك فإن كل محاولة لإهانته أو التشويش على حضوره كانت تحمل رسالة أوسع ترمي إلى كسر هيبة الجيش وإضعاف ثقته بنفسه وبقاعدته الشعبية.

وهنا يجب التمييز بوضوح بين النقد المشروع للمؤسسة العسكرية وبين التحريض المنظم ضدها؛ فكل مؤسسة عامة قابلة للنقد والمساءلة، لكن تحويل الجيش إلى خصم دائم وتجريده من رمزيته الوطنية والسعي إلى عزله عن الشعب ليس إصلاحاً ولا عملاً مدنياً، بل إنه طريق مفتوح أمام الفوضى، وهو خط داعم لتمكين مليشيا الجنجويد ويفتح باب التدخلات الخارجية.

لقد ساهمت بعض دوائر قوى الحرية والتغيير ولجان المقاومة — التي تحولت في مناطق كثيرة إلى واجهات حزبية — في تعميق هذا الاستقطاب. وعوضاً عن بناء جبهة وطنية تحمي الانتقال وتحفظ مؤسسات الدولة، انجرفت تلك القوى إلى صراعات المحاصصة والثأر السياسي وأضاعت الثقة بين المواطنين والجيش في وقت كانت فيه البلاد في أشد الحاجة إلى العقل والمسؤولية. ولا يمكن فصل هذا المناخ عن الأسئلة الكبرى المتعلقة بتقاطعات المصالح بين القوى السياسية ومليشيا الجنجويد والأدوار الإقليمية التي وجدت في ضعف السودان فرصة للتدخل والتأثير، حيث بات الحديث عن الدعم الخارجي والمساومة السياسية ملفاً سيادياً يستوجب المحاسبة.

عطبرة الحقيقية ترفض التجيير وتصطف خلف الجيش

لكن عطبرة، التي حاول البعض اختطاف رمزيتها، قالت كلمتها بالفعل لا بالشعارات. فعندما ضربت الحرب السودان، تحولت ولاية نهر النيل إلى ملاذ للنازحين من الخرطوم والجزيرة وسنار وغيرها، ففتحت مجتمعاتها البيوت والمعسكرات وساندت القوات المسلحة وقدمت نموذجا وطنيا في الإسناد الشعبي والتكافل الاجتماعي.

هذه هي عطبرة الحقيقية؛ مدينة لا تنحاز إلى مليشيا، ولا تقبل أن تصبح أداة في يد حزب، ولا تسمح بأن يستخدم تاريخ عمالها غطاء لمخططات تصفية الجيش.

سؤال التاريخ القاسي:

على آمنة الفكي وعلى قيادات قوى الحرية والتغيير وعلى كل من جعل من الإساءة للجيش مشروعاً سياسياً أن يواجهوا سؤال التاريخ: ماذا قدم إضعاف مؤسسات الدولة للسودان؟ وهل كان الطريق إلى الحرية يمر عبر هدم الجيش وترك الساحة للمليشيا الإرهابية التي قتلت العزل ونهبت ثروات شعبنا واغتصبت حرائره؟