سلسلة ريحة البلد - الحلقة التاسعة - د. سارة عبد العزيز الزبير
سلسلة مقالات خطيرة (ريحة البلد – الحلقة التاسعة) | موقع مورال نيوز

لا مبالغة ولا تهويل، بل حقائق مؤرخة وتاريخ مدون؛ فاليسار السوداني لم يكن مجرد فاشل، بل كان شريكاً في صناعة الفشل وتكريسه. نصف قرن قضاه يرتب خطابات عالية النبرة في منصات المعارضة، وحين أُعطيت له الفرصة في الفترة الانتقالية بين عامي 2019 و2021، لم يقدم مشروعاً بل قدم استهبالاً سياسياً وانهياراً في الممارسة.

تاريخ من الهروب نحو الوصاية الأجنبية

منذ الحوار الوطني بين عامي 2014 و2016 والذي دعاهم إليه الرئيس البشير في يناير عام 2014 كآلية سودانية-سودانية خالصة، كان موقف قوى اليسار والليبراليين داخل قوى الإجماع الوطني هو الرفض المسبق والمقاطعة. لم يذهبوا إلى الطاولة، بل اشترطوا أن يكون الحوار برعاية دولية وضمانات خارجية، وكأن السودانيين عاجزون عن إدارة خلافاتهم بأنفسهم. هذه ليست زلة لسان، بل نهج راسخ: لا حوار إلا بوصاية، ولا اتفاق بغير العواصم الأجنبية.

وقبل ذلك في الديمقراطية الثانية بين عامي 1964 و1969، حين كان الحزب الشيوعي طرفاً في العملية السياسية، اختار الانسحاب والتصعيد بدلاً من بناء التوافق الوطني. ثم جاء انقلاب الخامس من مايو عام 1969 ليقضي على تلك التجربة بالكامل، وكان لليسار موقف متذبذب لا يُحسب له فيه موقف وطني واضح.

2019 – 2021: الفشل الانتقالي والتحالف مع المليشيا

وفي الفترة الانتقالية بين عامي 2019 و2021، وبعد أن قدم الشعب السوداني مئات الشهداء في ثورة ديسمبر، وجد اليسار نفسه على مائدة السلطة عبر قوى الحرية والتغيير. وماذا قدم غير التشرذم داخلياً والخلافات العقيمة والتفريط في مكتسبات الثورة؟

وتُوِّج ذلك الفشل بتحالفه المشبوه مع مليشيا الجنجويد، حيث وقع الكادر اليساري المعروف أحمد ربيع مع قائد مليشيا الجنجويد اتفاق شراكة على السلطة متخلياً تماماً عن دماء الشهداء، ليعلن بداية حلفهم الجديد مع المليشيا التي قتلت الشباب في الاعتصام. ولعل تنسيقاً خبيثاً تم في الخفاء لتنفيذ اغتيالات وسط الشباب بهدف اتهام الجيش السوداني القومي وتفكيكه تمكيناً لمليشيا الجنجويد التي جرت بينها وبينهم مياه تحت الجسر داخل الغرف المظلمة برعاية دويلة الشر، حتى جاءت قرارات الخامس والعشرين من أكتوبر عام 2021 لتجد الطريق ممهداً فكان اليسار أول المنهزمين.

“ملأ اليسار الدنيا كلاماً عن الدولة المدنية والعدالة الاجتماعية، لكن حين وصل للسلطة تخلى عن شعاراته تدريجياً؛ فلم يفكك التمكين بالعمق المطلوب، وتدهورت الأوضاع الاقتصاديّة حتى أصبحت الكهرباء والخبز والوقود أزمات يومية، وتخلى عن شهداء الثورة حين سكت عن محاسبة حلفائه الجدد (الجنجويد القتلة) وذهب يتفاوض معهم.”

مرض ازدراء الداخل والرهان الأعمى على الأجنبي

الأخطر من كل ذلك أن اليسار السوداني أصيب بمرض مزمن وهو ازدراء أي حوار وطني داخلي، والمرّ من ذلك هو الرهان الأعمى على الخارج في كل محطة مفصلية من تاريخ بلادنا. منذ نيفاشا عام 2005، مروراً بحوار البشير عام 2014، وحتى مفاوضات جوبا عام 2020، كان موقفهم واحداً: ترسيخ عقيدة “لا نثق ببعضنا.. نريد وسيطاً أجنبياً يأمرنا وينهانا”.

هذا ليس حذراً سياسياً كما يزعمون، بل هو انهيار ثقافي ونفسي لليسار الذي يفترض أنه صوت الشعب. فكيف لا تؤمن بقدرة هذا الشعب على الحوار؟ وكيف تثق بالسفير الأجنبي أكثر مما تثق بالشخص السوداني الجالس أمامك على الطاولة؟ وهنا تكمن الكارثة: كيف تبني دولة وأنت لا تؤمن بأهلها؟

سهولة المعارضة وعجز رجال السلطة

المعارضة سهلة حين ترفع الشعارات وتهاجم الآخرين، لكن السلطة تحتاج إلى رجال يتحملون المسؤولية ويصنعون التسويات لأجل بناء وطن واستقراره وأمن شعبه وسلامته، وهذا ما يفتقده اليسار السوداني. لعقود طويلة ظل يهاجم السلطة من الخارج، وسنتان فقط في موقع المسؤولية فإذا به يعجز عن أبسط متطلبات الحكم!

وبعد أن سقط من السلطة عاد يرفع نفس الشعارات القديمة وكأن شيئاً لم يحدث، دون أن يعتذر أو يراجع أو يعترف بالخطأ. هذا ليس فشلاً سياسياً فقط، هذا استهبال كامل بالشعب السوداني، وكأنهم يقولون لنا: “نحن نعرف ما يناسبكم، لكن حين نصل إلى السلطة نفشل، والخطأ فيكم أنتم كشعب لا فينا”!

لحظة الحقيقة المباشرة:

اليوم والسودان يمر بأقسى مراحله التاريخية، لا نحتاج إلى خطابات جوفاء ولا إلى تيارات تراهن على الخارج وتفشل في الداخل؛ نحتاج إلى من يؤمن بالسودان أولاً وقبل كل شيء. وعلى اليسار السوداني أن يختار: إما أن ينزل من برج شعاراته العاجي ويجلس مع السودانيين ليبني وطناً حقيقياً، أو أن يعترف صراحة بأنه لم يكن حزباً للسلطة بل حزباً للمعارضة فقط يجيد الهتاف ولا يجيد البناء.