حرب 15 أبريل لم تبدأ في صبيحة ذلك اليوم من العام 2023، فما انفجر بالسلاح كان مساراً طويلاً من التخطيط والتمدد وبناء التفاهمات بدأت ملامحه في الظهور حتى قبل اعتصام القيادة العامة في 6 أبريل 2019. فمنذ الأيام الأولى للثورة، أخذت خيوط العلاقة بين مليشيا الدعم السريع وبعض مكونات قوى الحرية والتغيير تتكشف شيئاً فشيئاً، لا بوصفها تحالفاً رسمياً معلناً، بل كتفاهمات فردية والتزامات سياسية تبحث عن تسويق أولي داخل الشارع الثوري.
ظهر ذلك التسويق في لافتات وشعارات رفعت في محيط القيادة العامة مثل (الضكران الخوف الكيزان)، في محاولة لتقديم المليشيا كطرف ثوري وخلق خصم مشترك يصرف الأنظار عن وجود مليشيا الجنجويد في المشهد السياسي. روج لهذه البضاعة السياسية الفاسدة ناشطون سخروا منصاتهم لتلميع المليشيا وقادتها، ولما لم تجد قبولاً واسعاً وسط المعتصمين إلا عند الباحثين عن المكاسب، اختارت المليشيا طريقاً آخر عبر فض الاعتصام وكسر الشارع ثم إعادة فرض نفسها على القوى السياسية بعد تغير موازين القوة.
بعد فض الاعتصام، يُلاحظ أن قوى الحرية والتغيير لم تواجه الجريمة بالتصعيد والتهديد بالمجتمع الدولي كما تعود منها الشعب، بل طويت الصفحة تحت عناوين التسوية الانتقالية. ومن تلك اللحظة أصبح الطريق أكثر انفتاحاً أمام تمدد الدعم السريع، وتحولت شراكة المليشيا في الحكم من فكرة مرفوضة شعبياً إلى أمر سياسي وقعت عليه قوى الحرية والتغيير وتعاملت معه كواقع.
في هذا السياق تأتي عبارة المقدم خلا موسى قارح الذي قال: «معركتنا مع الإسلاميين مؤجلة». قالها قارح وهو قائد القوات الخاصة التابعة لمليشيا الدعم السريع في كرري وأحد أبرز قياداتها الميدانية النافذة وصاحب الصلات الوثيقة بحميدتي وشقيقه عبد الرحيم دقلو. لم تكن العبارة زلة لسان، بل كشفت عن عقلية المليشيا وأطماعها التي أحرقت البلد؛ فالخصوم لا يُستبعدون من الحساب لكن المواجهة تُرحّل حتى يكتمل الانتشار وتتأمن التحالفات.
لم يكن الإسلاميون سوى بند في قائمة الخصوم، أما الهدف الأكبر فكان النفوذ داخل الدولة؛ لذلك تمددت قوات الدعم السريع داخل القصر الجمهوري، ومحيط القيادة العامة، ومباني الإذاعة والتلفزيون، ومداخل الكباري، والمنشآت السيادية في العاصمة والولايات تحت شعار التأمين. لكن هذا الانتشار المريب لم يكن لحماية مؤسسات الدولة بل تمضعاً ميدانياً يسبق لحظة السيطرة.
“بدلاً من أن يكون بناء جيش قومي واحد هو مركز المعركة، تحولت مواجهة ‘الإسلاميين والفلول’ إلى الشعار الأكثر استخداماً لاستقطاب القوى المدنية وتعبئة الناشطين ودفعهم لمعارك جانبية، بينما كانت المليشيا تتوسع وتبني نفوذها لفرض إرادتها على الدولة.”
كان الدعم السريع يحتاج إلى غطاء سياسي يخفف من كلفة هذا التمدد، ووجد ذلك الغطاء في تفاهمات واصطفافات مع دوائر داخل قحت. فبدلاً من أن يكون بناء جيش قومي واحد هو مركز المعركة، تحولت مواجهة الإسلاميين والفلول إلى الشعار الأكثر استخداماً، واستعمل لاستقطاب القوى المدنية وتعبئة الناشطين ودفعهم إلى معارك تخوين وإقصاء. وبينما كانت القوى الثورية تستنزف نفسها في صراعات جانبية، كانت المليشيا تتوسع وتبني نفوذها وتستعد لفرض إرادتها على الدولة.
وامتد المشروع إلى الفضاء المدني والإعلامي؛ فقد نشطت منصات وغرف إعلامية مرتبطة باستخبارات الدعم السريع في استهداف ناشطي لجان المقاومة وأعضاء الأحزاب من تيارات مختلفة لاستقطابهم. وكانت الأدوات واضحة: لقاءات مغلقة، ووعود بالدعم والحماية والتمويل، وصناعة وجوه إعلامية تتحدث بشعارات الثورة بينما تؤدي وظيفة تلميع المليشيا وتمجيد قائدها. وفي المقابل، تحركت صفحات مجهولة التمويل للتخوين وإشعال الخلافات داخل لجان المقاومة واتهام كل من يرفض تمدد المليشيا بأنه عدو للثورة أو حليف للفلول.
يمثل المقدم خلا موسى قارح حلقة محورية في فهم هذا المسار؛ فقد ظهر قائداً للقوات الخاصة في كرري خلال العام 2019، ثم ارتبط بقوة نوعية وكان قريباً من دوائر العمل الخاص والتخطيط. لذلك لم تكن عبارته عن المعركة المؤجلة مجرد رأي، بل وصفاً لسياسة تقوم على تأجيل الصدام وتثبيت النفوذ واستخدام التحالفات المدنية جسراً لمشروع مليشيا الجنجويد.
إن مقتل المقدم خلا موسى قارح لا ينهي الأسئلة التي تركها وراءه: من خطط لهذا التمدد؟ ومن منح المليشيا الغطاء السياسي؟ ومن فتح المجال لاختراق القوى المدنية وتحويل الثورة إلى منصة لاستقطاب أصحاب البنادق؟
فالمعركة المؤجلة لم تكن مع الإسلاميين وحدهم، بل كانت في جوهرها معركة ضد الدولة السودانية نفسها، وضد جيشها ومؤسساتها وسيادتها، وحق شعبها في وطن تحكمه المؤسسات والقانون لا مليشيا الجنجويد عبر تفاهماتها العابرة وغرف العمليات.
