أعمدة ورأي ريحة البلد
✍️ بقلم: د/ سارة عبدالعزيز الزبير كاتبة وباحثة في الشأن السوداني
د/ سارة عبدالعزيز الزبير - ريحة البلد - موقع مورال نيوز
الكاتبة والباحثة د/ سارة عبدالعزيز الزبير | موقع مورال نيوز

هناك أحداث تتجاوز تفاصيلها وتتحول من مجرد خبر إلى قضية تمس كرامة وطن بأكمله[cite: 29]. وما جرى بشأن تأشيرة رئيس مجلس السيادة الانتقالي الفريق أول عبد الفتاح البرهان للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك لم يكن بالنسبة لكثير من السودانيين مجرد إجراء دبلوماسي عابر[cite: 29].

فبحسب تقارير دبلوماسية بدا أن إصدار التأشيرة ارتبط بقبول مقترح أمريكي لهدنة لمدة 90 يوما، وهو ما رفضه البرهان، بينما لم تؤكد وزارة الخارجية الأمريكية رسميا أن هذا الشرط كان سبب حجب التأشيرة[cite: 29].

وهنا لا بد أن نسأل السؤال الذي يختصر وجع السودان كله: هل السودان يريد هدنة جديدة أم يريد نهاية للحرب؟[cite: 29]

السوداني الذي فقد بيته لا يبحث عن توقف مؤقت لإطلاق النار ثم يعود بعدها الخوف[cite: 29]. والأم التي نزحت من منزلها لا تريد أن تتوقف البنادق أياما أو أسابيع، ثم تبدأ المأساة من جديد[cite: 29]. والطفل الذي حُرم من مدرسته لا يحتاج إلى هدنة فقط، يحتاج إلى وطن آمن يستطيع أن يعيش فيه وأن يكبر دون أن يكون صوت الرصاص جزءا من يومه[cite: 29]. والذين فقدوا أبناءهم وأهلهم وأحبابهم لا ينظرون إلى الهدنة باعتبارها نهاية المأساة، هم يريدون نهاية المأساة نفسها[cite: 29].

“الهدنة ليست بالضرورة سلاما.. قد تكون الهدنة خطوة إلى السلام إذا كانت جزءا من اتفاق حقيقي ينهي الحرب ويضمن الأمن، لكنها تصبح مجرد توقف مؤقت إذا لم تعالج أصل الأزمة.”[cite: 29]

والسودانيون بعد سنوات من الحرب يريدون إجابة واضحة: ماذا بعد الهدنة؟ هل يعود الأمن إلى المدن والقرى؟ هل يعود النازحون إلى بيوتهم؟ هل تتوقف الاعتداءات؟ هل تحمى حياة المدنيين؟ هل ينتهي خطر السلاح خارج سلطة الدولة؟ أم تتوقف الحرب مؤقتا ثم تعود بعد أن يعيد كل طرف ترتيب صفوفه؟[cite: 29]

السودان لا يحتاج إلى تأجيل الحرب، السودان يحتاج إلى إنهائها[cite: 29]. ولهذا فإن رفض أي صيغة هدنة لا تحقق نهاية حقيقية للصراع لا يعني بالضرورة رفض السلام[cite: 29]. فالسودانيون أكثر شعوب الأرض حاجة إلى السلام لأنهم أكثر من دفعوا ثمن الحرب، لكن هناك فرقا كبيرا بين السلام والهدنة[cite: 29].

السلام الذي يريده السودانيون هو سلام يحفظ الدولة، ويعيد الأمن، ويحمي المدنيين ويعيد النازحين، ويضع السلاح تحت سلطة الدولة، ويمنح الشعب السوداني حقه في تقرير مستقبل بلاده[cite: 29]. أما أن تصبح الهدنة مجرد محطة مؤقتة يعود بعدها القتال، فهذا ليس الحل الذي ينتظره الشعب الذي دفع كل هذا الثمن[cite: 29].

لقد تعب السودان.. تعبت أمهات فقدن أبناءهن، وتعب آباء حملوا أسرهم من مدينة إلى أخرى بحثا عن الأمان، وتعبت الأسر من النزوح والغربة وغلاء المعيشة، وتعبت المدن من الدمار، وتعب الإنسان السوداني من أن يصبح مستقبل وطنه موضوعا دائما على طاولات التفاوض الخارجية[cite: 29].

ومع ذلك، بقي شيء لا تستطيع الحرب أن تنتزعه بسهولة: الكرامة[cite: 29].

ولهذا فإن المشاهد التي خرج فيها سودانيون مؤيدون للقوات المسلحة ولرئيس مجلس السيادة تحمل بالنسبة إلى مؤيدي هذا الموقف رسالة واضحة: أن السودانيون يرون في القوات المسلحة مؤسسة الدولة الوطنية، ويتمسكون بسيادة السودان وحقه في تحديد مستقبله[cite: 29].

السودان بلد متعدد الآراء، ومن حق السودانيين أن يختلفوا حول السياسة والحكومة وطريقة إدارة المرحلة[cite: 29]. لكن الاختلاف السياسي لا ينبغي أن ينفي حقيقة أن الشعب يرى أن حماية الدولة وسيادتها ووحدتها قضية أساسية لا تقبل المساومة[cite: 29]. قد نختلف على الطريق، لكننا لا نختلف على أن السودان وطننا[cite: 29].

ومن هنا تصبح قضية التأشيرة أكبر من تأشيرة، لأن الرسالة التي وصلت إلى السودانيين، بحسب ما أوردته التقارير، كانت أن حضور رئيس مجلس السيادة إلى الأمم المتحدة أصبح مرتبطًا بموقف من هدنة مقترحة[cite: 29]. وهنا كانت الحساسية، ليس لأن السودانيين يرفضون السلام، وإنما لأنهم يريدون أن يكون السلام الذي يختارونه سلامًا ينهي الحرب، لا هدنة تؤجلها[cite: 29].

نحن لا نريد سلامًا يعيد إنتاج الأزمة، لا نريد اتفاقًا يترك السلاح خارج سلطة الدولة، لا نريد هدنة تمنح الحرب فرصة أخرى للعودة، ولا نريد أن يصبح مستقبل السودان نتيجة لضغوط أو شروط تصاغ خارج السودان.. نريد سلاما يصنعه السودانيون، ويحفظ السودان[cite: 29].

والسوداني بطبيعته ليس شعبا عاشقا للحرب.. هو شعب يريد أن يعود إلى بيته، يريد أن يفتح متجره، يريد أن يزرع أرضه، يريد أن يرسل أبناءه إلى المدارس، يريد أن يجتمع بأهله دون خوف، ويريد أن يعيش حياة عادية في وطن كان يوما ومازال مصدر فخره وأمانه[cite: 29].

لكن السلام الحقيقي لا يعني فقط إسكات صوت الرصاص.. السلام الحقيقي يعني أن يعرف السوداني أن الغد لن يحمل له الحرب نفسها في صورة جديدة[cite: 29].

ولهذا فإن الرسالة التي ينبغي أن يسمعها العالم من السودان ليست رسالة غضب فقط، وإنما رسالة واضحة: نحن نريد السلام لكننا نريد سلاما واضحاً.. استسلام التمرد ينهي الحرب لا هدنة تمنحها موعدا جديدا للعودة[cite: 29]. نريد وطنا واحدا، دولة واحدة، مؤسسة عسكرية وطنية واحدة، وسلاحا تحت سلطة الدولة، ونريد أن يكون القرار السوداني سودانيا، وأن يكون مستقبل السودان بيد أبنائه[cite: 29].

أما نيويورك والتأشيرة والخطاب الذي كان مقررا أن يلقى في الأمم المتحدة، فهي تفاصيل في مشهد أكبر[cite: 29]. القضية الحقيقية ليست في نيويورك، القضية في السودان؛ في المدن التي تنتظر العودة، في البيوت التي تنتظر أصحابها، في الأسر التي تنتظر الأمان، وفي ملايين السودانيين الذين يريدون شيئا بسيطا أصبح حلما كبيرا: أن يعيشوا في وطن آمن موحد حر القرار محفوظ الكرامة[cite: 29].

السودان الذي دفع كل هذا الثمن من دم أبنائه وبيوته ومستقبله من حقه أن يبحث عن سلام حقيقي لا عن استراحة مؤقتة بين جولة وأخرى من الحرب.. فالسودان ليس ملفا على طاولة تفاوض، السودان وطن وكرامة السودانيين ليست تفصيلا في أي مبادرة![cite: 29]

#ريحة_البلد #السودان #الجيش_السوداني #نهية_التمرد #مورال_نيوز
موقع مورال نيوز ©

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *